عن التحيز: نظرة ضيقة

عن التحيز:

 

1.

هل يرى غيرى إن الموضوعية انعدمت؟ أو على الأقل المحاولة الواعية للوصول إليها؟

و هل التحيز إشكالية أخلاقية أم إدراكية؟ بالطبع لن تكون إشكالية أخلاقية إن لم يكن الفرد واعي إنه يمارس التحيز و لكن هذا هو السؤال؟ حينما يمارس المرء التحيز هل يكون فعلاً غير واعي لما يفعل/يقول ؟

لا أستطيع الحكم على البشرية كلها من خلال ذاتي, إلا إني في 99% من الأوقات أكون واعي حينما أمارس تحيز ما, و حينما أقول أمارس التحيز قد يكون في موقف التحيز فيه على سبيل الدعابة مثلاً بين الأصدقاء. و هنا يكون التحيز واضح جداً في العقل و الغريب إن في المواقف الأخرى يكون بنفس الوضوح لكن يكون هنالك دوافع أخرى صارخة مثل: ألا يظهر المرء خطأه, أن يتعصب المرء لمعتقداته و لا ينكرها, أو ان يتعصب المرء لأصدقاءه و معارفه و مجتمعه.

لكن مجدداً – نصرة للموضوعية التي في أحيان كثير تدفعنا إلى مواقع ضعيفة – لن أفسر العالم من خلال ذاتي

 

2.

في الأيام الماضية اشتعلت كثير من النيران في العالم الإسلامي بسبب ما سُمي ب”الفيلم المسيء ” و كان رد فعل المسلمين حول العالم مُخزي بدرجة كبيرة. بينما تظاهر أعداد قليلة جدة منهم أمام سفارة أمريكا في بلدان كثيرة إلا إن العنف الذي نبع من هذة الأعداد القليلة كان مأساة انتهت بقتل السفير الأمريكي, و قد تتفاقم الأمور أكثر من ذلك. و برغم الأعداد القليلة الإ ان ردة الفعل في الشارع كانت ما بين مؤيدة و معارضة في المطلق و مؤيدة بشروط و معارضة بشروط

فالبعض مؤيد لأي نوع من رد الفعل عل هذا النوع من الإساءة حتى و إن وصل الأمر إلى حرق السفارات و قتل السفراء و البعض مع تظاهرات سلمية .. و الجدير بالذكر إن قيادات سلفية و إخوانية أججت مشاعر الأفراد و اتخذت قرار بالتظاهر بل زايدت على من رفض التظاهر و نعتته بالبلادة و الفجر و إلى آخره و تنصلت من مسؤولية الأحداث عندما أدت لنتائج مأسوية

البعض كان معارض لأي نوع من التظاهر, و أي نوع من ردود الفعل أو بمعني أصح التجاهل التام كرد فعل على ما حدث و آخرين, بصورة ضمنية قالوا ان التظاهر كرد فعل لا يكون أولوية .. بل الأولوية ان نتقدم فكرياً و علمياً و هذا أولى

الغريب إن كثير من الملحدين, لم يستنكر ردة الفعل فقط, و لا بعض الأطياف الإسلامية, بل استنكر الدين نفسه و برر إن كيف يتصرف المسلمون في كل هذة البلاد على نفس الشاكلة و لا تكون المشكلة في الإسلام نفسه.

ملاحظة ذكية على السطح إنما يملأها التحيز على مستويات أخرى:

 أولا لنتأمل حجم المظاهرات, فهي لم تتجاوز مئات الأفراد أو حتى على أقصى تقدير الآلاف، و وجود المتشددين و المتطرفين في بلادنا العربية ليس بالمفاجأة و لا يخفى على أحد أعدادهم الكبيرة في هذة  المجتمعات فإن رد فعل كهذا متوقع, بل الأعداد البسيطة التي تظاهرت بعنف أمام السفارات تشير إلى أن المتشددين بدأوا في حساب السلطة و ليس دور المعارضة

ثانياً حجم رد الفعل كما بينت لا يسمح بوجود تنوع, بينما كانت مظاهرات أخرى في التحرير كانت أكبر حجماً و أكثر حساباً للسلطة الا إن المجموع لا يمثل في أي بلد رد فعل الشعب الذي هو معظمه من المسلمين.

ثالثاً كثير من المسلمين في التلفزيون و على مواقع التواصل الإجتماعية بل و في الشارع أدانوا الأحداث,   و نسبة كبيرة كانت ترفض أي رد فعل غير التجاهل التام للأحداث و نسبة أخرى جاءت مؤيدة لمظاهرات سلمية بما إن انتشار الفيلم وصل إلى نقطة صعب تجاهلها
فمن عدم الدقة و التحيز أن تجد ملحد يهاجم الدين نفسه بسبب الأحداث حينما يوجد كثير من المسلمين أنفسهم يدينوا الأحداث و يرفضوها.
هل هذة مشكلة أخلاقية أم إدراكية؟ كيف لأشخاص تتفاعل على مواقع التواصل الإجتماعي و ترى ردود أفعال لمسلمين كثيرين يرفضون الأحداث و يروا حجم المظاهرات أن يعاني من مشكلة في إدراك الواقع تحيد به عن الموضوعية؟

3

كلامي هذا لا دفاعاً عن الإسلاميين و لا حتى الإسلام و لا هجوماً على الملحدين من أجل الهجوم فقط.
لن أكون كاذباً حين أقول إنه من أجل الموضوعية، قد يحاول بعض السفسطائيين التذاكي و أن يخرج الكلام من سياقه و يدخل في سياق آخر ليثبت معنى معين. و حينها يكون أثبت تحيزه مجدداً
و حتى يكون النص نفسه متزن و منصف و صادق و دفاعاً عن الموضوعية يجب ان ينتقد من هو دائم التحيز.
فكيف تنتفض للإسلام بالقتل و التخريب و الترويع و الغباء قبلهم! يقول أحدهم نحارب النار بالنار لكن أي حامل للنار تحارب؟ كيف يؤدي فعل فرد واحد في بلد تضمن حرية التعبير لمعاقبة الدولة و قتل سفيرها! قد يقول البعض إن أمريكا تستحق ذلك من اجل الجرائم الأخرى التي تمارس و لكني أقيس الأمور بمقياس أخلاقي.
و كم هو عبثي هذا التبرير، فأنت تخجل في الأساس أن تعلن سبب فعلتك هذة.
التحيز سم قاتل

4

إذا كانت السمة المهيمنة على التيارات الدينية المتشددة في مصر هي الحرفية و التحيز و رفض الآخر
فستكون مشكلة كبيرة على من أثر ان يخرج على القطيع و أن يستمع لصوت العقل أن يكون شريك المتشدد في نفس الصفات.
في النهاية ما هو مسعى كل منهم غير فرض نفسه. و لنكن واقعيين، الأيديولوجية لا تتسع للآخر إلا لتعرف نفسها

لكن إن لم تكن الغاية هي التعايش, بل العيش منفرداً فحينها أعلن إعجابي بالمتشدد الصريح في وجه المثقف المنافق

Advertisements
Tagged , , , , ,

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: