عبثية ما قبل النوم 1

العبث لا يوجد في الإنسان، و لا يوجد في العالم كذلك. بل يوجد في ارتباطهم الإثنان ببعض

ألبير كاميو

 

1

 

من أصعب الأوقات التي تمر علي هي التي أشعر فيها إني حكيماً. تلك الأوقات التي يتسرب فيها الشك إلى كل الثوابت (إن وجدت) و التي اشعر فيها بخفتي بين الأشياء و كيف جدير بالإهمال هو وجودي.

تلك الأوقات التي أرى نفسي فيها جالساً اكتب تلك الكلمات تحتضني إضاءة خافتة  في أحد البيوت في أحد العقارات في أحد الشوارع في أحد البلدان في أحد العوالم.
و إن كنت اتواضع و افترض أن – موضوعياً – في ظل نظام الأشياء, و في ظل الميتافيزيقا أن وجودي جدير بالإهمال، إلا انه في الواقع هو كل شي و يتسع بقدر ما يكمن أن يتسع الكون, فأنا الكون .. بل أنا الأكوان.

 

2

 

في تلك اللحظات الحكيمة، تصاب رأسي بالشلل و تعجز عن الإنتاج إلا ما ندر. أليست الحكمة هي أن ندرك مدى جهلنا؟

يبدو أن عقلي يأخذ الأمور بحرفيّة أكثر من اللازم. و لكن لا بأس, فهو لأمر – ككل شيء آخر – به شيء جيد.

فحين أقول لكم أن لا أدري معنى الوجود ستتفهمون. و سأظل أنا حائراً: هل فشلت عن الإتيان بأي تعريف لأني أسير تلك اللحظات الحكيمة المشلولة لم لأنه أمر يعجز عنه البشر.

 

3

 

أحد الجوانب الأكثر بروزاً في الوجود بالنسبة لي، و قد تكون هي أحد أركان الوجود (الذي لا أعرف عنه شيء، اسقط انت تعريفك عليه) هي العلاقات البشرية!

فهي تربطنا و تأسرنا حيناً و تحررنا حيناً آخر، تحتوي على كل شيء جميل و قبيح في نفس الكيان، تكون هي أحياناً المعنى الوحيد الذي نستطيع أن نقدره في الحياة بل نحيا من أجله.

و هذا أمر مثير للإهتمام و السخرية .. فكم نشكو من الآخر لأتفه الأسباب: لأنه ينتقص من مساحتنا و يصدر أحكامه علينا و يصنفنا و يقمعنا و مئات الأسباب الأخرى, بل وصل الأمر لأن قال سارتر أن: الجحيم هو الآخر!

و اتسائل، بدون هذا الآخر الذي نحمل له اطناناً من البغض و الكراهية، هل توجد أدني مستويات ما نطلق عليه حياة؟

 

4

 

اجلس قرب الفجر في نفس الإضاءة الخافتة، الهدوء يخيم على كل شيء حولي إلا من أنين حزين للمروحة، و صوت أواني معدنية تتداخل أثناء غسيلها من قبل أحد الجيران.

تسبب ذلك في ابتسامة على وجهي لا تزول.

ربما الوجود ليس بهذا السوء طالما كان بسيطاً. ربما نحن من لعنا أنفسنا بفضولنا و نهمنا!

ربما وجود الآخر ضرورة, لكن طالما رأى كلٌ منا الآخر عن بعد، أن يمضي كل منا في مسعاه دون أن نتحادث، دون أن نتلامس.

و لتتقابل لوهلة أعيننا من آن لآخر، ليتذكر كل منا.. إحتمال الآخر و ليجلس بعدها كل منا على شطه وحيداً

 

5

 

كان أو سيكون هناك شخص، عاش تلك الحياة:

كان يمضي يومياً في طريق طويل خالي, كان أقرب ما رأه من الناس هو هالتها في أغلب الأحيان.

مات هذا الشخص قبل الغروب بقليل، جالساً على كرسيه المفضل، ينظر من نافذة و على وجهه ابتسامه بسيطة.

لم يكن ينتظر أحداً بعينه, لم يكن يعرف أحداً بعينه. لم ينتظر أحد على الإطلاق، رغم ذلك اشتاق لزيارة أحدهم، شخص بعينه، يعرفه لكن لا يعرف وجهه. يراه و لا يتبينه!

استمتع كثيراً بهذا الشعور و لأنه كان حكيم، فضل أن تظل تلك الزيارة في رأسه و أن تحدث دوماً في رأسه.

ثم ابتسم تلك الإبتسامه البسيطة، و مد يده ليشد السطار قليلاً لتختفي خلفه النافذة.

ثم أغمض عيناه في سلام.

Advertisements
Tagged , , , , , , ,

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: