متعة الكَون في الظلام

Antoine D'Agata

 

أنا جبان،
ضعي سكينتك في،
أنا أحبك،
أنا لا أساوي شيئاً.

– البجع

“لن تفهمي، لن يفهم أحد أبداً”
قلت لها وغرقت في الصمت وأنا أرفع رأسي من على الوسادة لأنظر بعيداً عنها وعن كل شيء. كانت عيناها ضائعة بين شكها و حدسها. بين كلماتي التي تبدو صادقة إلى درجة تدفعك إلى تكذيبها. ذلك لأنها، في النهاية، لم تفهم شيء.

أنا لست وحيداً هنا، فأنا لست وحيداً دائماً. فلي قرين حي ومستقل. هو بداخلي لكنه يتجلى في كل مكان. أراه دائما ما يمشي وحده في شوارع مظلمة. لم أتبين وجهه قط. لكننا اتفقنا على إن هذا ليس بضروري على الإطلاق. لكن صوت لا يفارقني ابداً.
ولصداقته واقع قوي على حياتي، ترسم تحت جلد وجهي ابتسامة لا تزول أبداً، مهما حدث.

نحن لا نمشي أبداً في طريق واحد، لكن دائما ما انتهي حيث ينتهي هو.

لا أريدك أن تتعرفي عليه. أنت لا تريدي أنت تتعرفي عليه.

“أحبك”
قالتها لي، بنعومة وخفة الصاعقة. أصبحت أحبك أصعب كلمة لى على الإطلاق، فعليّ أن أرد بمثلها، ولكني لا أستطيع.
“لماذا كل مرة أقول لك فيها إني أحبك.. أثير مضايقتك؟”

“لأنها حمل، يشعرني بأني مُقصر، وبأني لا يجب أن أكون هنا. أنتي تعلمي أن ليس هناك أسهل من الكلام. فأحبك قد تكون أسهل كلمة على الإطلاق. وأسرعهم وأكثرهم ابتذالاً.”
لكني إن كانت أحبك مصدر سعادتك الآن.. فلاحقاً ستكون مصدر بؤسك. وأنا لا أقدر على فعل هذا بكِ”

ربما لم تكن لتقول ذلك لو كانت ترى البؤس في الأفق.

ومعضلتي هي. هل أريها لأثبت لها برغم الأذى الذي سيلحق بها؟ أم أختفي لكي لا ترى شيء فأحميها من هذا الأذى؟ فقط لأبدله بأذى آخر. أذى الاحتمالات والفرص الضائعة. أذى الممكن الذي قتلته.

“لا أريدك أن تكرهيني. أبداً”

لكن يبدو أن الكره هو النهاية الوحيدة.

“أنا جحيم. أنا الأسوأ على الإطلاق. أنت لا تريدي هذا الشخص.”
“أنت لست كذلك، أنت عكس كل ذلك.”
“أنا أعرف، أنا أدرى.. أنا أنا. أنتِ فقط لا تري ذلك.”

كنت لاسأل لماذا أقول ذلك لها؟ لماذا أريد كل شيء أن ينتهي. ألم أرغب في تلك اللحظة طوال الوقت؟ ومع أطهر الشخصيات على الإطلاق!
لكني أعلم جيداً لماذا.

كلما نظرت في المرآة سمعت صوته:
” أنت لست هذا الرجل.. أنت محظوظ ولكنك لا تستحق هذة السعادة. أنت سعادتك ليست في هذة السعادة. أنت تريد أكثر من ذلك، لأنك لن تصل إلى أكثر من ذلك، أنت تريد أكثر من ذلك برغم أن منذ لحظة واحدة كان هذا كل ما تريده.
أنت تعرف جيداً. أن رضائك يكمن في حقيقة.. إنك لا ترضى.”

أنا أرغب فيما لا أريد، وأريد ما لا أرغب.

أريدك أن تصدقيني حين أقول هذا، لا أريد أن نتحدث عن سبب هذة الحالة أو هذا المرض فهي نتيجة متوقعة لتراكمات من حياة مظلمة. ولا أريد أن أحاول أن نغير الوضع، لا أريد أن أتخلص من هذة الحالة أو أعالجها، بعيداً عن أني لا أهتم لذلك، فالحقيقة، إني لست مستاء إلى هذا الحد.. بل فيها شيء من المتعة. شيء منحط.

لكن أريد أن اتحدث عن واقع الأمور في ظل هذة الحالة. كيف لأي شيء جميل أن يكون؟ كيف يمكن التعايش مع شخص يرفضك ويريدك باستمرار؟ كيف لأي شيء أن يثمر مع تلك الأيادي العطبة؟ كيف يمكن أن يشعر المرء بالسعادة.. مع شخص مثل هذا؟

الإجابة بسيطة للغاية. لا يمكن.


أحياناً المرء يؤذي أقرب الناس إلى قلبه، بضعفه تجاههم. أحياناً يجب أن تكون أكثر قسوة من أجلهم. هي أحيان نادرة في رأيي، وأحيان قذرة! كأن العالم يتألق فيها بالعلو درجة أخرى من الانحطاط. ويأبى أن يكتفي بما سببه لنا من عذاب حتى لحظتها.

كان علي أن اختفي، وفعلت.. لم أعلم ماذا سيكون واقع هذا عليها لكني تأكدت أن هذا الأختيار هو أحسن المساويء. لم يكن هناك اختيار حسن، لم يصمم العالم على هذا النحو. فقط سيء واسوأ.
الاختفاء كان أفضل شيء لنا، وأن استغلينا قبح العالم في صفنا ولو مرة، فنستطيع أن نعوّل على النسيان. سيتحول الواقع إلى ذكرى، وستتلون الذكرى حسب الواقع الجديد، حتى تصير قطعة من الأنتيكا التي فقدت كل رمز ولم يبقى فيها إلا قبحها وتهالكها. حينها نقوم برميها. العالم قادر على ذلك، العالم قادر على محو كل شيء جميل، وكل شيء سيء. العالم قادر على محو كل شيء.

لأن أخفي إن معكي، وحدنا.. كنت أشعر أني لست من هذا العالم، بالطبع ظلت تشككاتي ومخاوفي حاضرة، لكن ابتسامتك كانت أقوى منهم كلهم، بنعومة نفذت إليهم، وأخدلتهم للنوم. كانت رائحتك إله لعوالم موازية، يكفي فقط أن تغمض عينك لتنتقل إليها، أن تكون ملكاً فيها.

ولكن وحدي، كنت أخف من أن أوجد، كنت أبهت من أن ألُاحَظ.. كنت ضعيف وواهن.. كنت أحمل رائحة الأموات. لكن أليس هذا ما أريد؟

بالتأكيد، تسألي إن كان هذا الفرق بين الحال معك ووحدي فلماذا؟ لماذا كل شيء يحدث على هذا النحو؟

أنا أحب النهايات.. بل أنا أسير النهايات، ودائماً أسعى إليها.. فكل شيء إلى زوال، فلماذا الأسى؟ وهناك من يعيش حتى النهايات ومن يعيش من أجل النهايات. المشكلة دائما كانت فيّا أنا، إني أعيش من أجل النهايات. والمشكلة إني دائما لم أرها مشكلة، بكل سهولة أستطيع أن ألوم العالم على معضلتي. أو أن تصدقيني حين أقول لك أني بغيض، أبغض مما تتخيلي.. فمن يشعر بونس مع الموت، ومن ينتشي من السقوط في الهوة. هو الأبغض على الإطلاق.

أتفهمي؟

أنا آسف أني ظهرت مجدداً. أسف أني طفوت على سطح المياة، ربما فضلت الموت.. ربما فضلت القاع، لكني برغم صغر وندرة حجمها إلا أني، أحياناً، لا أستطيع ان أتجاهل الحياة بداخلي، كان علي أن أصعد إلى السطح. حتى لو لنفس أخير، يطيل العمر لحظة.
أنا آسف. سأغطس مجدداً إلى القاع.

أتعلمي “أنا شمعة تحترق من أجل الآخرين؟”

وأنا كذلك شمعة، لكنها تحترق من أجل لا شيء على الإطلاق. شمعة تحترق من أجل فقط أن تحترق. لأن الشمعة تعي إنها قادرة على الإحتراق.

وحتى تلك الشمعة شعلتها واهنة، تحترق على مهل. لقد أوهنها الزمن. حتى أصبحت تشتعل وتتراقص غير مبالية.

لقد فقدت الشعور الخام من زمن لا استرجعه. كان في هذا الزمن كل شيء ممتليء الألوان والأصوات، كان الحزن حزن، لم يكن مجرد لحظات من اللامبالاة والتسكع، كان الفرح فرح.. لم يكن مشروط، ولم يكن صعب على النحو الذي أفرغه من معناه.

كمضخم الصوت، بداخل كل منا مضخم للمشاعر والأحاسيس. مقص الزمن قلّم هذا المضخم، عبث بأسلاكه وقطع احشاءه حتى أصبح مثل الجلد الميت. وجد ليذكرك فقط كيف كان اللمس مختلف، كيف كان جميلاً. بعد أن سلبك إمكانية اللمس.

أنا لم أقل إني لا أشعر بشيء أبداً، لكني لا أشعر بشيء على الإطلاق. وربما الأجدر بشمعة صب قوامها من شمع أسود، شمع من العدم، شمعة جدباء و عقيمة مثلي، أن تحترق وحيدة. وأن تحتضن الظلام بلهبها الأسود وتذوب فيه لتصبح منسية.

أتصدقي حين أقول لك أن الشمعة تحترق مبتسمة؟

أعلم إنك لم تفهمي ولن يفهم أحد أبداً، ولكم تمنيت أن تفعلي.. لكن لن أطلب منك ذلك أبداً. فليس هناك مايستحق عناء الفهم. فلأن فهمتي عليكي أن تتجرعي من بئر ظلام أزلي. هذا ثمن الفهم. ثمن لا أريدك أن تدفعيه أبداً. ثمن أدفعه وحدي، ليس تضحية أو نبل، بل لأجل ما هو أكثر انحطاطاً وأنانية على الإطلاق، من أجل متعة.. متعة الكون في الظلام.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: