أدادجيو الحياة المؤلم: الجزء الأول

 أنا لازلت هنا.

كل يوم، قبل أن استيقظ في اللحظة القصيرة جداً بين اليقظة والنوم، اللحظة التي قد تستمر من كسور الثواني لقرون، قبل أن أدرك الزمان والمكان أسأل نفسي سؤالاً، أو بالأحرى أتمنى أمنية.
وعندما أشعر أن الوعي بدأ يضرب في رأسي، وأني أقف على حافة الإجابة على السؤال أتمنى أن يستمر هذا التيه للأبد.

أنا لست هنا بعد الآن، صحيح؟

كل يوم أسأل نفسي هذا السؤال، كل يوم لفترة لم أعد قادر على إحصائها من عبثية المحاولة. وكل يوم أفتح عيني لأجد نفسي… لازلت هنا

وهنا ليس زمان ومكان، بل هوية.. هنا يعني إني عالق في نفس الجسد، أرى نفس الناس، آكل نفس الأكل. أجري في نفس العجلة من الطموحات والأمال والأحلام المؤجلة. هنا في نفس هذا العقل بعالمه المتكامل، وانعكاساته وأمراضه وتحليلاته وهواجسه. هنا في نفس البلد، في نفس البيت، في نفس مجموعة الغرف.

 هنا في نفس السياق. دائماً نفس السياق.

*

ما هو الأسهل أن يحدد الشخص ما يريد في الحياة أو أن يخلق ما يريد؟ ماذا لو كان الشخص غير قادر على ألا يفعل الاثنان؟ ليس لضعف، ولا لتكاسل بل لأنه لا يعرف حقاً، حقاً، حقاً.. ما يريد.

لديه ميول كثيرة، وقد تتبع هذة الميول فقط لينفر منها. أو يتكاسل ويقدم أعذاراً. بالطبع كل الناس تعاني من التكاسل، من الخمول والعلوقية ولكن ألا يوجد في العالم تلك العلاقة، الانسجام والتناغم الكاملين، بين الإنسان وما يحب أن يفعل؟ ألم يضيع حسك بالوقت وأنت منغمس في عمل ما ولو لمرة واحدة في الحياة؟ حين تشاهد فيلم تحبه، أو تلعب فيديو جيم ما، أو تقطع الأخشاب في ورشة نجارة؟ أليس من المتوقع أن وجدت هذة العلاقة، الإنسجام بين الإنسان وما يحب أن تمر ساعات العمل المضني كالثوان؟ أليس من الطبيعي أن أتوقع إن يضيع الوقت وأنا أعمل فيما أحب كما يضيع في فيديو جيم؟

قد يكون العيب في فهمي أنا للعالم ونظام الأشياء، لكن إن وضعت ميولك أو شغفك تحت المجهر، تحت الإختبار ما هو المعيار التي تستطيع أن تحسم به مدى صحة تصورك لشغفك وما تحب؟ هل هو مدى براعتك فيه؟ لأن البراعة هي نتاج التكرار المضني في أغلب الأحيان وإن كانت طبيعية فهو لا يعني شيء إلا إنك مجهز أكثر للقيام بهذا العمل إن فضلت ذلك. بالطبع ليس بقدر الأموال التي تأتي من هذا العمل وليس برأي الآخرين الذي حكموا عليك وطرزوا مظهرك الإجتماعي بنيشان من صنعهم ورضخت أنت له وبررت لنفسك إنه اختيارك.

إن لم يكن المعيار، الأساسي والوحيد، هو مدى استمتاعك وانغماسك في الشيء الذي تفعله، ماذا قد يكون؟ أن تمر بهذة التجربة،في كل وقت، ولأطول فترة من الوقت ممكنة؟

*

أحب السينما وأريد أن أعمل بصناعتها. أحب الكتابة. أحب الفوتوغرافيا. أحب أشياء كثيرة.. أو هكذا يهييء لي

الكتابة، مثل الفوتوغرافيا ومثل الكثير من الميول/الشغف/الهوايات سمها ما شئت التي أستطعت أن أجربها أو للدقة أجرب نفسي فيها، أحبها. ولكن، هناك شيء يعكر هذا الكمال، كالحصوة في الحذاء، دائماً ما تصدر نفسها.

في يوم ممتاز أحب الكتابة. لكن في كثير من الأيام الأخرى، وهي الأغلب، أحب فكرة كوني كاتباً أكثر من الكتابة. بمثل الطريقة التي قد تحب أن تكون قد سجنت ومررت بأعوام من الظلم ليحولك للبطل التي تنشد، ولكن دون أن تكون قد مررت بالتجربة بالفعل. أو كم من الجميل أن تكون قد تسلقت أعلى قمم العالم، وأن حقيقة تشعر بالشغف تجاه التسلق وتضع خططاً لمدة شهور حتى تستسعد للتدرب وتبدأ في التسلق. أن تمتلك في عقلك أسطورة أنك متسلق جبال، لكن دون التعب. أن تكون روبنسون كروزويه دون أن تخطو قدمك الوحيدة جزيرة صغيرة في المحيط. ما أراه الآن بوضوح، هو لأسفي أني أفضل الأسطورة.

لماذا أفضل كوني في العقل أسطورة في الكتابة؟ في التصوير؟ لماذا أفضل الأسطورة في كل شيء سعيت نحوه. لماذا نفضل الأساطير فأنا أعلم إني لست الوحيد في العالم الذي يفضلها على هذا النحو؟

هل لأننا مصابين بأقوى أنواع التكاسل والخمول وأشرس أنواع العلوقية المنتشر مثل السرطان في مجتمعنا، جيلنا، حياتنا، عالمنا؟ أو لأننا لم نلمسه قط.. هذا الشغف المترقرق الذي قد يحولنا من الموتى الأحياء إلى حياة دون موت؟

أنا أحلم بكوني صانع للأفلام، كاتب ومخرج منذ 10 سنوات، حينما كان عمري 15 عاماً فقط. طوال هذة العشر سنوات، جبنت أن أحاول أن أصنع فيلماً واحداً بسبب عُقد الكمال. حين تحدثت مع صديقة لي قد عملت لأول مرة في تصوير أحد الأفلام مؤخراً قالت لي – بعد سنين من أمل الدراسة وصناعة الأفلام – إنها حينما قامت بالتجربة، لا تظن إن هذة هي الطريقة التي تريد أن تنتج بها الفن. صُعقت. لأني لم أعطي نفسي الفرصة لتجربة هذا الحب الذي من المفترض أني متعلق به وهو السبب الأسمى لحياتي. وربما هذة هي المشكلة. إنه مجرد قناع!

حينما دققت النظر في العلاقة بيني وبين السينما وجدت إن كان السينما هدف واضح علي أن أمشي تجاهه بخط مستقيم، فأنا دائما ما قررت أن أمشي في نمط دائري. حتى أستطيع كلما أقتربت منه أن أبتعد عنه. أو أن أظل على مسافة واحدة منه مهام بذلت من الجهد. حتى حينما أقف أمام المرآة وأواجه ذاتي أستطيع بكل جسارة أن أصرخ أني لم أتوقف يوماً عن الجري وراء هدفي، في نفس الوقت الذي حسمت فيه أني لن أوصل له أبداً!

أنا جبان، أهبل، أحمق، ساذج، مغرور، فوقي. أنا لم أتوقف يوماً عن التبرير، أنا لم أتوقف يوماً عن إشارة أصبع الإتهام على الآخرين. ولكني دائماً ما انتهيت بالإشارة على نفسي وبجلد الذات. فكما قلت الإنسان أستاذ في خداع الذات. لقد اكتشفت أنه إن كان هناك تناغم، إنسجام تام في حياتي فهو بين جُبني، وحماقتي، وغروري. وبين جلدي للذات. تناسبوا طردياً ليخلقوا أفضل عجلة من عجل خداع الذات التي لا تنكسر أبداً.

أنا أصفق لنفسي المتهاوية. فهي تستحق التصفيق. أليس هذا هو التناقض؟

لم تصل براعة إلانسان يوماً إلى الكمال إلا في خداع ذاته.

*

أنا لم أحضر حفل تخرجي من المدرسة، في حين وقف زملائي في الدفعة كلهم مع أهلهم، ولبسوا المعطف ورموا الطواقي في الهواء ووقفت أنا في الخلفية، أبعد ما أكون عنهم. مراقباً، كنت أقطع شيئاً ما في داخلي بخنجر بارد. للسبب ما، تكلم الخنجر وهو يقول هذا سيجعلك أقوى. لما مثلت لامبالاتي هذة صدمة عند زملائي، أصر بعضهم أن أصعد على المسرح لأتسلم الميدالية، فوقفت للحظات بجوار المسرح في منطقة شبه معتمة، أحاول أن البس المعطف الذي تصرف فيه أحد زملائي من زميل آخر قد استلم ميداليته للتو، فالأسماء كانت تنادى بالترتيب الأبجدي وأنا كان وقتي يقترب.. ونادى المنادي على اسمي، والأسماء الأخرى وراقبت الآخرين من هم بعدي.. في الأبجدية، يسبقوني على المسرح ليستلموا الميدليات. شباك الفرصة كان صغير، بل هو كان كبير جداً بحجم العالم، ولكني أنا من جعلته صغيراً. ما حاول أن يقطعه الخنجر كان لا يزال معلقاً، ومفعهم بالحياة. تأملت المسرح مطولاً والخنجر يقطع ذلك الشيء المتدلي بعنف وغضب. تمتم الخنجر بإنه كان يجب قطعه كله من الأول.

إن كان هنالك مقاييس للإنتماء ففي الغالب سأسجل دائماً أدنى الدرجات. لم يكون لي في الإنتماء شيء، حادثة حفلة التخرج، هي حدث ضمن عشرات من نفس الشاكلة. كيف أنعزل على نفسي في بيت الريفي في الأعياد، هروباً من الواجبات العائلية السخيفة (كلنا نشعر بالسخف تجاهها) لكن أن تظل 48 ساعة لا تغادر غرفتك حتى لا تحتك بأي منهم في أيام العيد؟ أكاد أهنىء نفسي على تماسكي ولكنه خليط من الجُبن واللامبالاة.

لا شيء يمثل مقابل للانتماء عندي إلا العزلة. العزلة في كل شيء، العزلة بعيداً عن كل المناسبات الإجتماعية، العزلة بعيداً أن أي دعوى لأن يفتح صدره للحياة، لأن يتعرى.. العزلة بعيداً عن الأهل. أنا لا أستطيع أن أكون محادثة تطول عن “إزيك؟ كويس” مع أخوتي. قد تكون هذة معضلة “المودرن مان” أو معضلة ما لا أعرف لها اسماً. ولكنها معضلتي أنا الآن.

لكن هو ليس مجرد شعور بعدم الإنتماء إلى شيء، بل إنه أقرب إلى حاجة.. الحاجة إلى عدم الإنتماء إلى أي شيء. الحاجة إلى الطفو دائماً وأبداً. أن تكون لامتناهي أبدي الخفة.

لكني أقول لنفسي إن هذة الحاجة هي رد فعل لسياق لا يحتضني أو يخصني. وإن حالة الطفو مؤقتة، حتى أقع في المكان الذي سأعطي له كل الإنتماء كما لم أعطيه لأي شيء من قبل. إن هذا المكان ليس أي بيت لي، وليس مع أي ناس أعرفهم، ولا مع أناس أحببتهم. إن لم أبحث عنه وظللت أعيش معهم فسأظل معذباً والأهم من ذلك سأكون دائماً سبب للاراحة لهم.

أتذكر دوماً، هذا المشهد من فيلم “الحالة الغريبة لبنجامين بتون” حينما كانت ابنته تقرأ مذكراته.. وكان يقول لها إن عليها أن تجرب أشياء جديدة، وتذهب أماكن لم تذهب إليها من قبل. و في شريط الفيلم نرى بنجامين بتون يكنس حيناً في بلد ما، وفي لقطة أخرى هو في الهند، ولقطة ثالثة هو في ريف على دراجة نارية.

أليس هذا أنا؟ شخص غير متطابق مع نظام الأشياء، عرف جيداً إنه سيفشل في جميع العلاقات الإنسانية، بسبب تكوينه الغريب. ولذلك قرر بعدما حاول أن يعيش الحياة الطبيعية، أن يطفو.

 أن يظل خفيفاً بخفة ما يربطه بالحياة.

*

لا أحدق كثيراً في الفراغ من الخوف مما قد يتشكل فيه. وأخشى ما أخشاه إن ما قد يتشكل فيه، هو فراغ آخر. لماذا أكتب هذة الترهات؟ ماذا تعني لي أو لك أو لأي شخص؟ هل أستطيع النجاة بدون الإجابة على هذة الأسئلة؟

كيف يمكن لأي شخص أن يعيش بدون غاية؟ أني مقتنع الآن أني بدون غاية. وغايتي ليست جمع المال أو الزواج، أو التكاثر. هذا أنا متأكد منه. ولكن كل شيء آخر يبدو لي الآن إنه جاء ليسد فراغ يملأه من يستحق به.

كم أتمنى أن أكون أحترق شوقاً لأن أعمل ك”مشوبش” في الأفراح الشعبية. أو زّبال. لا شيء في العالم أكثر جمالاً من قضاء الوقت في تسليك البلاليع والإنغماس في شبكات لا نهائية من مجاري الصرف إذا كنت أعشق ذلك.

ماذا أنا بفاعل هنا؟

ولا أريد أن أتحدث عن معنى الحياة، فلا إجابة لهذا السؤال (لا مكان حقيقي للآلهة في قلبي وإن كنت تظن إن هذة هي المشكلة فغالباً أنت في المكان الخاطيء فلا تضيع وقتك بالقراءة بعد الآن). قد يبدو للبعض أن معنى الحياة هي غايتها ولكن بالنسبة لي الوضع مختلف. معنى الحياة قد يكون في الإيمان بدين ما وأن عليك نصرته، أو أن كل اليهود يجب حرقهم. أو الإيمان كل البشر يجب قتلهم. أو أن عندما يصل الإنسان لما يكفي من الارتقاء عليه أن ينهي حياته حتى يصبح الإله.

قد لا أعلم معنى الحياة، قد لا يحركني هدف فلسفي وإيماني ما. لكن كل ما أطلبه هو شيء ما يكملني، مغناطيس بحجم طاقتي يسحب الشغف مني ويوظفه.

جوزف جوبلز كان شخصاً يتمتع بالإثنين. كان مؤمن بسيادة الجنس الآري كما آمن هتلر، وكان يعشق البروباجندا فقرر توظيف الغاية في المعنى.

ربما تتسائل لماذا أستعين بشخصيات قذرة لأبرهن على حجتي. لأقول فقط أن المعنى والغاية بالنسبة لي لا علاقة لهم بالأخلاق أو بأي مانع إنساني أو حضاري ما. إنه احتياج غرائزي. أنا في حاجة إلى الإحتياج الغرائزي. أو في حاجة إلى أن أحتاج الإحتياج الغرائزي. أن أرجع للشكل البدائي للحياة.

لو كانت هذة الغاية هي صناعة المخدرات لما ترددت لحظة لفعل هذا، وقضاء الساعات في التخطيط لكيفية صنعها وتهريبها، ولكنت قابلت رصاص القانون بابتسامة من كبر حجمها لأبتلعت العالم كله.

ولكنها منطقة سوداء في عالمي.

إن كانت مأساة العيش دون معنى قد استنفذتني حتى نفذت هي مني. فكيف تنفذ مأساة العيش دون غاية دون أن تنفذ مني الحياة؟

*

To be, or not to be: that is the question: Whether ’tis nobler in the mind to suffer the slings and arrows of outrageous fortune, or to take arms against a sea of troubles…

 

هذا هو السؤال. دائماً وأبدا، كان وسيكون السؤال.

أنا أشعر بالسكينة دائماً على الطرقات تحت إضاءة عواميد النور الصفراء والسماء السوداء من فوقها. بين أصوات في الأفق لمقاطير تزأر غاضبة. كل ما قد أريد هو قليل من الموسيقى. لأصل إلى أقصى ما أستطيع أن أسميه براحة بال.

برغم إن هذا يسبب لي متعة حرفياً (ولا أظن أن هذة المتعة سيكون الحل هو اتباعها حرفياً أيضاً، إلى أني علي أن أحاول أن أعمل تبّاعاً، فربما يتلخص الحل لمأساة وجودي في كوني تبّاعاً. والله لرضيت بها.)، إلا إنه غالباً بيت القصيد….

سأقطتع جزئاً من خطاب كتبه صحفي الجونزو المشهور هانتر إس. تومسون لصديق حينما سأله عن معنى الحياة:

And indeed, that IS the question: whether to float with the tide, or to swim for a goal. It is a choice we must all make consciously or unconsciously at one time in our lives. So few people understand this! Think of any decision you’ve ever made which had a bearing on your future: I may be wrong, but I don’t see how it could have been anything but a choice however indirect — between the two things I’ve mentioned: the floating or the swimming.

والمشكلة هنا إني عالق في مكان ما بين الطوف والعوم.. فحتى وإن رضخت للطفو، لم أفعل ذلك بسبب إيماني بالطفو، ليس بسبب أني مقتنع أني يجب أن ألعب دوري في المجتمع كما يمليه عليه. وليس حتى لأني غير قادر على العوّم (ربما حرفياً) ولكن بسبب أني لا أعرف في أي أتجاه على أن أعوم. لماذا؟

Every man is the sum total of his reactions to experience. As your experiences differ and multiply, you become a different man, and hence your perspective changes. This goes on and on. Every reaction is a learning process; every significant experience alters your perspective.

As I see it then, the formula runs something like this: a man must choose a path which will let his ABILITIES function at maximum efficiency toward the gratification of his DESIRES. In doing this, he is fulfilling a need (giving himself identity by functioning in a set pattern toward a set goal) he avoids frustrating his potential (choosing a path which puts no limit on his self-development), and he avoids the terror of seeing his goal wilt or lose its charm as he draws closer to it (rather than bending himself to meet the demands of that which he seeks, he has bent his goal to conform to his own abilities and desires).

In short, he has not dedicated his life to reaching a pre-defined goal, but he has rather chosen a way of life he KNOWS he will enjoy. The goal is absolutely secondary: it is the functioning toward the goal which is important. And it seems almost ridiculous to say that a man MUST function in a pattern of his own choosing; for to let another man define your own goals is to give up one of the most meaningful aspects of life — the definitive act of will which makes a man an individual.

هانتر أتى بكل شيء…

أنا لست كما كنت منذ سنوات. باستثناء السينما التي لعبت دورها بامتياز في حياتي حتى الآن. وهو أكثر دور غامض و”إينيجماتك” ممكن، إلا أنها كانت طرف في سلسلة جمعت الكثير من الأحلام والكثير من الشغف لكنهم تساقطوا واحد تلو الآخر. ليس لأي شيء غير إن الأحلام فقدت ما يؤهلها لأن تبقى أحلام.

ولكن ما هو الطريق؟

ما هو الطريق الذي لا ينتهي بالوصول إلى نهايته، بل يبدأ من جديد وتحول ويتراقص وتستمر دون أن تمل أو أن تكل لأن تعمل تبّاع له؟

إن كليشيه “السر في الرحلة” الخاص بباولو كويلو (ألعنه بكل ألسنة شياطين الجحيم) كان يوماً ليس بمبتذل.

لأن الرحلة لا تعني شيء بدون وجهة. وهذا ليس متناقضاً مع كلام هانتر بل فقط مع كلام الأحمق الأخر. ألسر هو أن تجد في نهاية، أو للدقة، في أحد محطات الطريق الذهب. وأن تدرك إنه ذهب.. بجماله وبريقه ذهب. وألا تجعل هذا يوقفك. ليس لأن جشعك تجاه الذهب هو ما يدفعك، على الأقل ليس وحده وحينها لن يكون جشع. بل لأن سنوات التنجيم كانت بجمال الذهب نفسه.

لكن السيد هانتر لم يستطيع أن يحدد كيف نجد هذا الطريق. الطريق الذي يجعل قدراتك تعمل على آخر كفائتها لتحقيق الرغبات. ألا تختار هدف للحياة بل أن تختار طريقة للحياة.

وبالطبع لا أتوقع منه ذلك فعليه حينها أن يكون إله أو أحمق.. وهو ليس الاثنين.

*

الأدادجيو هي سرعة للعب الموسيقي وهي من أبطىء السرعات اسمها الحرفي “بالراحة”. وحياتي هي أدادجيو مزعج ومملل. الأرغن يضرب فيه مع الكمان بدون أي تناسق أو معنى. الآلات تلعب حينما شائت وبدون أي نمط والناتج الطبيعي هي مقطوعة موسيقية مشوّهة. من الممكن أن تكون أفضل من ذلك، لديها القدرة أن تصبح كلاسيكية، لكن لا يوجد أي انسجام في الميلودي. فقط أوتار مزعجة ومنزعجة لا تكف عن الصريخ

أنظر إلى نفسي في المرآة، وأرى وجهاً يعبس كل ثانية. وشمعة وراء شمعة تختنق بسبب غياب الهواء. عندما يحين وقتي لا أريد أن أصاب بالهلع أو أن أشعر بالندم أو الخيانة. عندما يأتي ميعادي أريد أن أقابل الموت بابتسامة الواثق. أريد أن أصافح يده وأسلم له رقبتي برضا.

إن جائني الموت الآن.. سأقابله دامعاً على النفس الأخير الذي لم أشهقه.. وكل شيء آخر

Advertisements
Tagged , , , ,

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: